العقوبات البديلة كإجراء إصلاحي لدعم الادماج الاجتماعي للمحكوم عليهم
Loading...
Date
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
جامعة المسيلة
Abstract
أبانت الدراسة أن السياسة الجنائية المعاصرة في الجزائر شهدت تحولاً جذرياً في
فلسفة العقاب حيث تبنى المشرع العقوبات البديلة وفي مقدمتها العمل للنفع العام والمراقبة
الإلكترونية، كآلية قانونية مرنة تهدف إلى تحقيق التوازن بين مقتضيات الردع العام
والخاص من جهة، وغايات الإصلاح والتأهيل الاجتماعي دون عزل الجاني عن محيطه
الطبيعي من جهة أخرى، وأن التعديلات القانونية الأخيرة لاسيما القانون 24-06المعدل
والمتمم لقانون العقوبات والقانون 25-14المتضمن قانون الإجراءات الجزائية قد أحدثت
قفزة نوعية من خلال توسيع نطاق الجرائم القابلة للاستبدال برفع سقف العقوبة المقررة إلى
خمس سنوات حبساً، وتعزيز الصلاحيات الممنوحة لقسم تطبيق العقوبات بالمحكمة وغرفة
تطبيق العقوبات بالمجلس القضائي في تفعيل هذه الآليات، مما يكرس مبدأ التفريد العقابي
في مرحلة التنفيذ وعليه فإن نجاح نظام العقوبات البديلة لا يتوقف على مجرد وجود النص
القانوني، بل على إرساء آليات تنفيذ ذكية ومرنة تستجيب للواقع الاجتماعي وتحقق الإدماج
الفعلي، وتخفف في الوقت نفسه العبء عن الإدارة القضائية والهيئات العمومية، وتوصلنا
في ختام هذا البحث الى جملة من النتائج:
- وجود عقبة إجرائية جوهرية تتمثل في شرط الموافقة الصريحة للمحكوم عليه قبل
النطق بعقوبة العمل للنفع العام، وهو ما يهدد بتحويل الجزاء الجنائي من قوة سيادية ملزمة
إلى عدالة رضائية مرهونة بإرادة الجاني،
- فضلاً عن رصد فراغ قانوني ينظم حالات العدول عن العقوبة البديلة بعد صدور
الحكم النهائي أو أثناء التنفيذ مما يهدد استقرار المراكز القانونية وهيبة الأحكام القضائية. -
- الصعيد الميداني والتنظيمي أبانت الدراسة عن وجود فجوة عميقة بين النصوص النظرية
والواقع المادي للمؤسسات المستقبلة إذ يصطدم التطبيق العملي بنقص حاد في الكوادر
البشرية المتخصصة كالأخصائيين النفسانيين والمساعدين الاجتماعيين، مما يحول العمل
للنفع العام إلى مجرد كدح مادي يفتقر للمقاربة العلاجية الإصلاحية.
- ضيق في نطاق الهيئات المستقبلة وحصرها في المرافق التقليدية العمومية دون
المؤسسات الخاصة.
- وفي ذات السياق يواجه نظام المراقبة الإلكترونية تحديات تقنية ولوجستية بالغة التعقيد
ترتبط بصعوبة المتابعة الدقيقة على مدار الساعة وغياب التنسيق الرقمي اللحظي بين
القضاء ومرافق التنفيذ.
- المخاوف المرتبطة بانتهاك حرمة الحياة الخاصة للمحكوم عليهم واستمرار ثقافة الوصم
الاجتماعي التي تلاحق المستفيدين من هذه البدائل وتعيق إدماجهم الفعلي مما يحول الرقابة
في كثير من الأحيان إلى إجراءات مكتبية ورقية لا تحقق الإصلاح المنشود.
بناءً على النتائج المتوصل إليها في هذه الدراسة نقدم جملة من المقترحات:
يوصي البحث بجملة من التدابير والاقتراحات العملية لتفعيل المنظومة العقابية البديلة
وتجاوز العقبات الميدانية وتتمثل فيما يلي:
- معالجة الثغرات التشريعية بإعادة النظر في ميكانيزم الإخطار والقبول المتعلق
بشرط الموافقة الصريحة للمحكوم عليه لضمان عدم استغلاله كأداة للمراوغة
القانونية وإفراغ الجزاء من طابعه السيادي الملزم.
- ضرورة سد الفراغ التنظيمي المتعلق بحالات العدول عن العقوبة البديلة بعد صدور
الحكم النهائي أو أثناء التنفيذ لضمان استقرار المراكز القانونية.
- إحداث منصة رقمية وطنية لتسيير العقوبات البديلة وإدماج المحكوم عليهم، تعمل
على تصنيف المحكوم عليهم وتوجيه ذوي الحرف للمرافق المناسبة، وإلحاق من لا
يملك حرفة ببرامج تأهيلية بالتنسيق مع قطاع التكوين المهني لتمكينهم من شهادات
خبرة تدعم إدماجهم الفعلي.
- نقترح إنشاء أداة تكنولوجية مرافقة ومساعدة لتفعيل النصوص القانونية ميدانياً،
تتولى الربط الإجرائي اللحظي بين قاضي تطبيق العقوبات والمؤسسات المستقبلة
لتسيير الحضور والتبليغ عن المخالفات.
- تطوير الهياكل التنظيمية وتوسيع نطاق المؤسسات المستقبلة بتوسيع نطاق الجهات
المستقبلة للمحكوم عليهم ليشمل المؤسسات العمومية الاقتصادية والجمعيات
والمؤسسات الخاصة لضمان وفرة مناصب العمل للنفع العام.
- إنشاء مكاتب وطنية للمتابعة في الوسط المفتوح تابعة لإدارة السجون تتولى
الإشراف المباشر وتكوين المشرفين الإداريين في البلديات والمستشفيات، وتوجيه
المشرع نحو إمكانية استبدال الغرامات الجزائية بالعمل للنفع العام في حالات
الإعسار المالي.
- تقديم الدعم المالي والتقني لتوسيع قاعدة البيانات الإلكترونية لنظام المراقبة
الإلكترونية (السوار) وتدريب كوادر مؤهلة للمتابعة على مدار الساعة بما يحمي
حرمة الحياة الخاصة، تزامناً مع تكثيف الحملات التحسيسية عبر وسائل الإعلام
والجامعات لرفع الوعي الاجتماعي وتجاوز ظاهرة الوصم الاجتماعي التي تلاحق
المستفيدين من هذه الآليات الإصلاحية.
وعليه فإن نجاح نظام العقوبات البديلة لا يتوقف على مجرد وجود النص القانوني، بل
على إرساء آليات تنفيذ ذكية ومرنة تستجيب للواقع الاجتماعي وتحقق الإدماج الفعلي،
وتخفف في الوقت نفسه العبء عن الإدارة القضائية والهيئات العمومية وتفتح هذه الدراسة
آفاقاً بحثية مستقبلية لتقييم فاعلية الرقابة القضائية الرقمية وتطور السياسة العقابية الوطنية.